رهان الهوية وبوصلة الثورة: لماذا يهزّ المولد النبوي الشريف عروش الاستعمار في اليمن؟
المحامي والمحلل السياسي ماهر الشامي
ينخرط العالم الإسلامي بين مطرقة التغريب وسندان التكفير، بينما يقف الشعب اليمني ليقدم نموذجاً فريداً ومتقدماً في الارتباط الوجداني والعملي بخاتم الأنبياء والمرسلين والرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لم يكن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في اليمن مجرد طقوس موسمية عادية أو احتفالاً بروتوكولياً، بل هو محطة تأسيسية تعبر عن هوية إيمانية متجذرة انطلقت من رحم ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر لتتحرر من أسر الوصاية الخارجية والتبعية الفكرية التي فرضتها عقود من الهيمنة الاستعمارية.لقد سعت الدوائر الاستعمارية الغربية، عبر التاريخ الحديث وبأدوات محلية تمثلت في الحركة الوهابية ومشاريعها التكفيرية، إلى فصل الأمة الإسلامية عن رموزها العظيمة وفي مقدمتها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وتحت يافطة محاربة البدعة، عَمِلَت تلك المشاريع على طمس المعالم الإسلامية وتجفيف منابع الفكر الأصلي، سواء في التراث الزيدي والشافعي والصوفي في اليمن، أو في مكة والمدينة، بهدف مسخ الهوية الإسلامية وتسهيل استعباد الشعوب لصالح الحضارة المادية المتوحشة التي تقودها أمريكا وإسرائيل. وبالمقابل، روجت تلك الأنظمة لرموز الانحلال لتصبح بديلاً عن القدوة المحمدية الطاهرة.إلا أن الشعب اليمني، بوعيه العميق وإرثه الحضاري المتأصل في عمق التاريخ، أثبت أن ارتباطه بنبيه ليس ارتباط طقوس، بل هو ارتباط مبدئي وجهادي يترجم سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم واقعاً عملياً ومقاوماً للظلم والطغيان. وإن هذا الارتباط العظيم يكتسب معناه الأعمق في ظل ما يتعرض له الشعب اليمني الأبي من عدوان غاشم وحصار ظالم، حيث يقابل اليمنيون كل تلك المؤامرات والمخططات بصمود أسطوري وثبات لا يلين، مستمدين العزم من قوة وعزة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومواقفه الخالدة في مواجهة قوى الاستكبار.إن الحضور الجماهيري الهائل والواعي في إحياء المولد النبوي الشريف يمثل إعلاناً صارخاً بأن الأمة التي تمتلك مشروعاً قرآنياً وقائداً يحمل راية الحق لا يمكن أن تهزمها ألاعيب المخابرات الدولية ولا حروب الحرب الناعمة التي تستهدف الشباب والناشئة. وبهذا المعنى الواسع، يتجاوز الاحتفال بالمولد النبوي الاعتبارات القطرية والمذهبية الضيقة ليكون مظلة وحدوية جامعة لكل المسلمين في مواجهة مشاريع التمزيق والتفريق. إنه صرخة حق في وجه الهجمة التكفيرية والتغريبية معاً، ورسالة عملية تفضح زيف الجماعات التكفيرية المدعومة غربياً، وتقدم للعالم صورة الإسلام المحمدي الأصيل القائم على العزة، والكرامة، ونصرة المستضعفين وفي مقدمتهم أحرار فلسطين وغزة. ومن خلال التمسك بهذا النهج، يؤكد اليمنيون أن استقلالهم السياسي لا يكتمل إلا بالاستقلال الثقافي والفكري، لتبقى راية الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخفاقة المنارة الوحيدة التي تضيء دروب الخلاص للأمة جمع


