بين ومضات النور النبوي ومسؤولية الدولة: استنهاض الضمير المؤسسي لخدمة الشعب
بين ومضات النور النبوي ومسؤولية الدولة: استنهاض الضمير المؤسسي لخدمة الشعب
المحامي والمحلل السياسي/ ماهر الشامي
إن تتبع مسار العمل الإداري والخدمي في مؤسسات الدولة يعلمنا أن العدل وكفاءة الإدارة هما أساس بقاء الدول واستقرارها. ولعل التأمل الواقعي في أداء حكومة صنعاء ومؤسسات الدولة يكشف عن فجوة واسعة بين تضحيات الشعب العظيمة وبين مستوى الخدمات المتاحة، وهو أمر يستوجب وقفة تقييم صادقة ومسؤولة. لقد استطاعت الجبهة العسكرية والأمنية -برغم كل التحديات وانعدام الإمكانيات- أن تسطر ملاحم صمود كبرى تحفظ للوطن كرامته، غير أن هذا الإنجاز السيادي الرائع يحتاج اليوم إلى رديف حقيقي يماثله في الجبهة المدنية والخدمية، بحيث ترتقي حكومة صنعاء ومؤسسات الدولة إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها، وتدرك أن حماية الجبهة الداخلية وتحصينها ضد أي اختراق تبدأ أولاً من تلبية الاحتياجات الأساسية للناس، ورفع المعاناة عن كاهل الطبقات المسحوقة التي أثقل كاهلها انقطاع المرتبات وشظف العيش.وحين تُطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف -على صاحبه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم- فإننا أمام محطة إيمانية وتاريخية فريدة لا تقتصر على إظهار مظاهر الاحتفال فحسب، بل تمثل فرصة حقيقية ومقدسة لمراجعة الحسابات، والإقرار بالتقصير بشجاعة، والعودة الصادقة إلى النهج النبوي القويم في إدارة شؤون العباد والبلاد. لقد ضرب النبي الأكرم أروع الأمثلة في تحمل المسؤولية، والاقتراب من هموم الناس والضعفاء، وكان خلقه القرآن وحرصه الشديد على رعاية مصالح أمته؛ ومن هنا، فإن المسؤول في دولة تؤسس لعدالة الإسلام وعزته يجب أن يكون خادماً لأمته، يسهر على راحتها، ويضع همومها في قمة أولوياته، بعيداً عن أي استهتار بالمعاناة أو ركون إلى تبريرات واهية لا تقيم وزناً لوجع المواطن.إن معرفة ما إذا كانت حكومة صنعاء ومؤسسات الدولة تقوم بدورها على أكمل وجه تتحدد بمعايير موضوعية وواضحة، أبرزها مدى شعور المواطن بالأمن المعيشي، وانعكاس القرارات إيجاباً على توفير الخدمات الأساسية وصرف المرتبات، فالمعيار الحقيقي لبقاء أي مسؤول في منصبه هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز وصناعة الفارق الحقيقي في حياة الناس. أما عند فشل المسؤول أو عجزه عن تحقيق أي إنجازات أو تقديم معالجات ملموسة، فإن أبسط قواعد الأمانة والمسؤولية تحتم عليه تقديم استقالته بشكل طوعي، إيماناً بالقاعدة الحكيمة القائلة إن «قيمة كل امرئ ما يحسنه»، وفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية وصناعة التغيير الحقيقي لما فيه مصلحة الشعب وخير الوطن.إن تقييم الأداء الوظيفي والمعالجة الجادة للمشكلات الاقتصادية والخدمية لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً يمكن تأجيله، بل هي ضرورة وجودية لتعزيز الثقة بين الشعب ومؤسساته، وإثبات القدرة الفعلية على إدارة الشأن العام بحكمة واقتدار. إننا في ظل الظروف الراهنة والتحديات الكبيرة والمؤامرات المستمرة لقادرون حقاً على تغيير واقعنا نحو الأفضل، متى ما توفرت الإرادة الصادقة، وتخلصت الإدارات من عيوب التقصير، واستشعر الجميع رقابة الله عز وجل أولاً، ثم رقابة هذا الشعب الصابر العظيم الذي قدم الغالي والنفيس. فلتكن ذكرى المولد النبوي منطلقاً لتصحيح المسار وبناء دولة المؤسسات العادلة التي تشعر بألم المواطن، وتصون كرامته، وتجعل من رحمته وعدله عنواناً لكل سياسة وقرار.


