اختبارات عدم تحمل الطعام.. بين الدليل العلمي والتسويق
تخيّل أن تصلك إلى المنزل علبة صغيرة، تأخذ بواسطتها عينة من دمك، ثم تتلقى بعد أيام تقريرا أنيقا يقسّم عشرات الأطعمة إلى ألوان: أخضر لما يمكنك تناوله، وأصفر لما ينبغي أن تحذر منه، وأحمر لما يُفترض أن جسمك لا يتحمله، وفجأة تجد الحليب والبيض والقمح والقهوة والطماطم ضمن قائمة الاتهام، مع وعد بأن الامتناع عنها قد يخلصك من الانتفاخ والصداع والتعب واضطراب الهضم، وربما ضبابية الدماغ أيضا.
تبدو الفكرة جذابة، فبدل شهور من المواعيد الطبية والفحوص وتجربة الحميات، يُفترض أن تكشف عينة دم واحدة الأطعمة التي تعكر صحتك.
كما أن التقرير يحمل أرقاما ورسوما وأسماء أجسام مضادة، فيوحي بأن الحكم صادر عن مختبر دقيق لا عن تخمين، لكن السؤال الحاسم ليس: هل يقيس الاختبار شيئا؟ بل: هل يدل ما يقيسه فعلا على أن طعاما معينا يسبب الأعراض؟
هنا تظهر فجوة كبيرة بين ما تستطيع المختبرات قياسه، وما تسمح الأدلة العلمية باستنتاجه.
ما الأجسام المضادة؟
الأجسام المضادة، أو الغلوبولينات المناعية، بروتينات يصنعها جهاز المناعة، ولا سيما الخلايا البائية والخلايا البلازمية. وتعمل هذه البروتينات مثل علامات تعريف دقيقة؛ إذ ترتبط بجزيئات معينة تسمى المستضدات، قد تكون جزءا من فيروس، أو بكتيريا أو مادة غريبة أو بروتينا موجودا في الطعام. وبعد ارتباطها بالهدف، قد تساعد الأجسام المضادة على تعطيله أو على تنبيه خلايا مناعية أخرى للتخلص منه.
وتوجد أنواع مختلفة من الأجسام المضادة، يرمز إليها عادة بالحروف Ig (Immunoglobulin)، مثل IgE و IgG و IgA و.IgM ويرتبط كل نوع بوظائف مناعية مختلفة. ففي بعض حالات الحساسية الغذائية الفورية، قد تشارك أجسام مضادة من نوع IgE، بينما قد يعكس وجود “آي جي جي” IgG تجاه طعام معين مجرد تعرض سابق أو متكرر له، ولا يثبت وحده أن هذا الطعام يسبب أعراضا أو ينبغي استبعاده. ومن هنا فإن قياس جسم مضاد لا يساوي تلقائيا تشخيص حساسية أو عدم تحمّل.
لكن وجود جسم مضاد في الدم لا يعني بالضرورة وجود مرض أو ضرر. فالجسم قد يصنع أجساما مضادة بعد التعرض الطبيعي لمادة ما أو بعد الإصابة بعدوى أو عقب التطعيم أو نتيجة تناول طعام بصورة متكررة. لذلك لا تكمن أهمية النتيجة في اكتشاف الجسم المضاد فحسب، بل في معرفة نوعه ومستواه وسياقه الطبي ومدى توافقه مع الأعراض.
الحساسية وعدم التحمل
يبدأ الالتباس من استخدام كلمات “الحساسية” و”عدم التحمل” و”الحساسية الغذائية” وكأنها مترادفات، مع أنها لا تشير إلى الحالة نفسها. فحساسية الطعام تفاعل مناعي تجاه طعام محدد، وفي الحساسية الفورية، التي تتوسطها غالبا أجسام مضادة من نوع IgE، قد تظهر بعد تناول الطعام أعراض مثل الشرى أو تورم الشفتين والوجه أو القيء أو صعوبة التنفس، وقد تكون خطرة.
وهناك تفاعلات مناعية غذائية لا تتوسطها IgE، ولا يكشفها اختبار IgG التجاري، ويعتمد تشخيصها بدرجة كبيرة على القصة المرضية والتقييم المتخصص.
أما عدم تحمّل الطعام، فلا يعني عادة وجود حساسية مناعية، فقد يعجز الجسم عن هضم مكوّن معين، كما يحدث عند نقص إنزيم اللاكتاز المسؤول عن هضم سكر الحليب (اللاكتوز)، وعندها قد تظهر الغازات والانتفاخ والإسهال بعد تناول كمية معينة من اللاكتوز، وقد تكون الأعراض مرتبطة بكمية الطعام وقدرة الأمعاء على التعامل معه، لا بوجود عدو غذائي ينبغي حظره مدى الحياة.
وهناك حالات أخرى ينبغي عدم خلطها بهذه التفاعلات، فالداء البطني أو السيلياك مرض مناعي ذاتي مرتبط بتناول الغلوتين لدى أشخاص مهيئين وراثيا، بينما متلازمة القولون العصبي اضطراب في تفاعل الأمعاء والدماغ، وقد تتفاقم أعراضها مع أطعمة أو كميات معينة من الكربوهيدرات القابلة للتخمر.
adminتحرير الملف الشخصي
أما عبارة “الحساسية الغذائية” كما ترد في كثير من الإعلانات، فتُستخدم أحيانا بوصفها عبارة تسويقية فضفاضة، لا تشخيصا طبيا موحدا. وقد تُجمع تحتها أعراضا شائعة مثل الانتفاخ والصداع والتعب ومشكلات الجلد وتقلب المزاج، وهي أعراض يمكن أن تنتج عن أسباب كثيرة، وكلما اتسع تعريف المشكلة، أصبح من السهل تسويق اختبار يزعم تفسيرها كلها.
ماذا تقيس اختبارات IgG؟
أكثر الاختبارات التجارية شيوعا تقيس في الدم أجساما مضادة من نوع “آي جي جي” IgG، أو أحد فروعها، خصوصا IgG4، تجاه عشرات الأطعمة. وقد تضم الحزمة الواحدة مئة طعام أو أكثر، ثم تُحوّل مستويات الأجسام المضادة إلى قائمة أطعمة “منخفضة” أو “متوسطة” أو “مرتفعة التفاعل”.
لكن وجود IgG تجاه طعام ما لا يعني تلقائيا أن هذا الطعام يسبب مرضا أو أعراضا. فجهاز المناعة يتعرض بصورة طبيعية لبروتينات الطعام، وتكوين IgG قد يكون ببساطة أثرا لتناول الطعام والتعرض المتكرر له. بل إن ارتفاع IgG4 قد يرتبط، في بعض السياقات المناعية بتطور التحمل تجاه الطعام لا بعدم تحمله. وبعبارة أبسط: قد يخبرك الاختبار بما تأكله كثيرا أكثر مما يخبرك بما يؤذيك.
ولا تكفي قدرة المختبر على قياس جسم مضاد كي يصبح الاختبار تشخيصيا. فالاختبار المفيد يحتاج إلى عتبة مثبتة تميز بدرجة مقبولة بين من يتأذى من طعام معين ومن يتناوله بلا مشكلة.



